’’ سر الخلق والأمر والكتب والشرائع والثواب والعقاب ,انتهى الى هاتين الكلمتين ,وعليهما مدار العبودية والتوحيد , حتى قيل :أنزل الله مئة كتاب وأربعة كتب .جمع معانيها في التوراة والإنجيل والقرآن , وجمع معاني هذه الكتب الثلاثة في القرآن ,وجمع معاني القرآن في المفصل,وجمع معاني المفصل في الفاتحه ,ومعاني الفاتحه في {إياك نعبد وإياك نستعين} وجميع الرسل انما دعوا الى (اياك نعبد) قال تعالى {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ‘‘
بلغ تفسير إبن القيم لسورة الفاتحه مايزيد عن140 صفحة!، معظمها في قول (اياك نبعد واياك نستعين)
ساستعرض شيئاً يسيراً من حكمت الله فيهما التي توصل اليها ابن القيم الجوزية رحمه الله . .
،
هاتان الكلمتان مقسومتان بين الرب وعبده نصفين : فنصفهما له تعالى وهو (إياك نعبد) ونصفها لعبده وهو (إياك نستعين).
نصف الرب :
العباده تجمع اصلين : غاية الحب بغاية الذل والخضوع
التعبد اي التذلل والخضوع ،فمن احببته ولم تكن خاضعاً له،لم تكن عابدا له
ومن خضعت له بلا محبه، لم تكن عابدا له حتى تحبه خاضعا
ومن ههنا كان المنكرون محبة العباد لربهم منكرين حقيقة العبودية، والمنكرون لكونه محبوباً لهم - بل هو غاية مطلوبهم ووجهه الأعلى نهاية بغيتهم- منكرين لكونه إلهاً، وإن اقروا بكونه رباً للعالمين وخالقاً لهم فهذا غاية توحيدهم وهو توحيد الربوبية.
نصف العبد :
الاستعانة -اي التوكل- تجمع اصلين :الثقة بالله والاعتماد عليه.
،
وتقديم العبادة على الاستعانه من باب تقديم الغايات على الوسائل
اذ العبادة غاية العباد الذين خلقوا لها {وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}
والاستعانه وسيلة إليها
ايضاً اياك نعبد متعلق بالوهيته واسمه الله
واياك نستعين متعلق بربوبيته واسمه الرب
فقدم اياك نعبد على اياك نستعين كما تقدم اسم الله على الرب في اول السوره {الحمدلله رب العالمين}
ولأن اياك نعبد قسم الرب فكان من الشطر الاول الذي هو ثناء على الله تعالى لكونه اولى به
واياك نستعين قسم العبد فكان مع الشطر الذي له وهو اهدنا الصراط المستقيم الى آخر السورة
،
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - :
" تأملت انفع الدعاء :فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحه في ( إياك نعبد وإياك نستعين ) "
،
تنقسم العبودية الى قسمين عامه وخاصه
العامه: هي عبودية اهل السموات والارض كلهم لله برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم فهذه عبودية القهر والملك عبودية ربوبيته
ولا يجيئ وصفهم في القرآن بالعبودية الا على احد خمسة اوجه:
- إما منكراً كقوله { إن كل من في السماوات والارض إلا آتي الرحمن عبدا }
- معرفا بالام كقوله { إن الله قد حكم بين العباد }
- مقيداً بالإشارة او نحوه كقوله { أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء }
- أن يذكروا في عمود عباده فيندرجوا مع أهل طاعته في الذكر كقوله { أنت تحكم بين عبدك فيما كانوا فيه يختلفون }
الخاصة: عبودية الطاعة واتباع الاوامر وهي عبودية الوهيته
ووصف الله بعبودية الوهيته أكمل خلقه وأقربهم إليه فقال:
{لن يستنكف المسيح اأن يكون عبداً لله}
{واذكر عبدنا داوود}
{واذكر عبدنا أيوب}
{واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب}
وقال عن سليمان {نعم العبد انه أواب }
وأكرم خلقه واعلاهم عنده منزلة { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا }
وجعل احسان العبودية احسن مراتب الدين "الإحسان ان تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"
،
بنى ربنا (اياك نعبد)على اربع قواعد : التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من قول اللسان والقلب وعمل القلب والجوارح
فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الاربعه.
- فقول القلب : هو اعتقاد ماخبر الله سبحانه عن نفسه وعن اسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته ولقائه على لسان رسله.
- قول اللسان :الإخبار عنه بذلك والدعوة إليه والذبُّ عنه وتبيين بطلان البدع المخالفة له والقيام بذكره وتبليغ امره.
- وعمل القلب: كالمحبة له والتوكل عليه والإنابه إليه والخوف منه والرجاء له وإخلاص الدين له والصبر على اوامره وعن نواهيه وعلى اقداره وارضى به وعنه ...إلخ من اعمال القلوب التي بدونها عمل الجوارح إما عديم المنفعة أو قليل المنفعة
- وأعمال الجوارح: كالصلاة والجهاد، ونقل الأقدام الى الجمعة والجماعات ومساعدة العاجر والإحسان الى الخلق ونحو ذلك
فإياك نعبد: إلتزام لأحكام هذه الأربعة وإقرار بها
و(اياك نستعين) طلب للإعانة والتوفيق لها
و(اهدنا الصراط المستقيم ) متضمن للتعريف بالأمرين على التفصيل وإلهام القيام بهما وسلوك طريق السكالين الى الله بهما
،
(اياك نعبد) تلزم كل عبد في دار التكليف حتى موته {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}
إلا انه تكون عليه عبودية ايضاً في البرزخ حين يسأله الملكان
ويوم القيامة يوم يدعوا الله الخلق كلهم الى السجود فسيجد المؤمنون ويبقى الكفار والمنافقون لايستطيعون السجود
فإذا دخلوا دار الثواب والعقاب انقطع التكليف هناك وصارت عبودية أهل الثواب تسبيحاً مقروناً بأنفاسهم لايجدون له تعباً ولانصبا
اللهم اياك نعبد واياك نستعين
مقتبس من كتاب بدائع التفسير الجامع
لتفسير الإمام ابن قيم الجوزية
لـ يسرى السيد محمد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق